أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
540
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 49 إلى 51 ] وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ ( 49 ) أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 51 ) قوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ : فيه أربعة أوجه : أحدها : أنّ محلّها النصب عطفا على الكتاب ، أي : وأنزلنا إليكم الحكم . والثاني : أنها في محلّ جر عطفا على « بالحق » أي : أنزلناه بالحقّ وبالحكم » . وعلى هذا الوجه فيجوز في محلّ « أَنِ » النصب والجرّ على الخلاف المشهور . والثالث : أنّها في محلّ رفع على الابتداء وفي تقدير خبره احتمالان : أحدهما : أن تقدّره متأخرا أي : حكمك بما أنزل اللّه أمرنا أو قولنا . والآخر : أن تقدّره متقدما أي : ومن الواجب أن احكم أي : حكمك . والرابع : أنها تفسيرية ، قال أبو البقاء « وهو بعيد لأن الواو تمنع من ذلك ، والمعنى يفسد ذلك ، لأنّ « أَنِ » التفسيرية ينبغي أن يسبقها قول يفسّر بها » أمّا ما ذكره من منع الواو أن تكون « أن » تفسيرية فواضح ، وأمّا قوله : « يسبقها قول » إصلاحه أن يقول : « ما هو بمعنى القول لا حروفه » ثم قال : « ويمكن تصحيح هذا القول بأن يكون التقدير : وأمرناك ، ثم فسّر هذا الأمر ب « احْكُمْ » . ومنع الشيخ « 1 » من تصحيح هذا القول بما ذكره أبو البقاء ، قال : « لأنه لم يحفظ من لسانهم حذف الجملة المفسّرة ب « أَنِ » وما بعدها » وهو كما قال . وقراءتا ضمّ نون « أن » كسرها « 2 » واضحتان ممّا تقدّم في البقرة : الضمة للاتباع والكسر على أصل التقاء الساكنين . والضمير في « بَيْنَهُمْ » : إمّا لليهود خاصة وإمّا لجميع المتحاكمين . قوله : أَنْ يَفْتِنُوكَ فيه وجهان : أظهرهما : أنه مفعول من أجله أي : احذرهم مخافة أن يفتنوك . والثاني : أنها بدل من المفعول على جهة الاشتمال كأنه [ قال ] : « واحذرهم فتنتهم » كقولك : « أعجبني زيد علمه » . وقوله : « فَإِنْ تَوَلَّوْا » قال ابن عطية : « قبله محذوف يدل عليه الظاهر تقديره : لا تتبع واحذر ، فإن حكّموك مع ذلك واستقاموا لك فنعمّا ذلك ، وإن تولّوا فاعلم » ، ويحسن أن يقدّر هذا المحذوف المعادل بعد قوله : لَفاسِقُونَ » . والذي ينبغي ألّا يقال في هذا النوع ثمّ حذف ؛ لأن ذلك من باب فحوى الخطاب ، والأمر فيه واضح . قوله تعالى : أَ فَحُكْمَ : الجمهور على ضم الحاء وسكون الكاف ونصب الميم ، وهي قراءة واضحة ،
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 504 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 3 / 504 ) .